الإرهاب .. الأيديولوجية المغلقة بقلم : د. مجدي إبراهيم

img

الإرهاب .. الأيديولوجية المغلقة

بقلم : د. مجدي إبراهيم

بعيداً عن النعرات العاطفية، وقريباً من قمة التحليل العقلي البارد، يُرجي دراسة “الأزمة” التي سببها الإرهاب الأسود دراسة جديرة بمستواها الفعلي، على ما حدث مؤخراً في سيناء، تماماً كما جرى قبل سنوات في مذبحة شرم الشيخ وفي مذبحة الروضة. وإنه لمستوى أقلق فينا الشعور وأوردنا موارد الغضب والاستنكار وأثار عواطفنا وأشعل روابطنا بأهمية “المواجهة”، لكنها عندي مواجهة ينقصها الوعي بخطورة الموقف وفداحة عواقبه في الحالة التي ننسى فيها توجهات العقول ومنطلقات الأذهان، ثم نكتفي بالتعلق بما هو أدنى في لغة الخطاب المقززة، فضلاً عن لسان الضمير : من صرخات العاطفة بكاءً على اللبن المسكوب.

على أن هذه الأيديولوجية الإرهابية الفاسدة، لم تجد العناية الكافية من مثقفينا وكتابنا ومفكرينا بتسليط الضوء الساطع عليها فيما يسمح بمجابهتها بأسلحة النقد العنيف، وتحليل عناصرها الموبوءة إلى جذورها العفنة المتآكلة كيما لا يقترب من تلك المنطقة السوداء أحد، بعد أن تتكشف للأعشى فضلاً عن المبصر جوانب التخلف والرجعية في هذا الفكر الظلامي الأسود، الأمر الذي أتاح الفرصة سانحة لأصحاب الثقافة المحدودة أن يخرجونه للناس باعتباره الفكر المحافظ على الدين (والدين منه براء)، الحامل لروحانيته وسماحته وأصوله، الجاذب لعقول الشباب، وهى عقول – كما نعلم – فارغة من الوعي والثقافة والتكوين أو تكاد، تغيب عنها الرؤية النقدية لما يعرض عليها للوهلة الأولى من بضاعة كاسدة، فتنساق طيعة مختارة مع هذا التطرف المرَضي، أو مقهورة تحت وطأة الظروف الاجتماعية الضاغطة، فيحدث من ثمَّ ما لا قبل لنا بمواجهته من وخيم العواقب وشديد النكبات : الإرهاب والتطرف والعنف والكراهية المدمرة للنفس وللغير.

وهناك ممّا لاشك فيه أسباب موضوعية أدَّت إلى شيوع هذا الفكر الرجعي المتخلف : المتخلف فعلاً عن كل قيمة من قيم التقدّم والحضارة والاستنارة والإنسانية، منها عدم إعطاء مساحة كافية لإبراز البديل، وأعني به الفكر التنويري العقلي وإشاعته في القطاعات العريضة من شبابنا، ذلك الفكر الذي من شأنه أن يدك أرض البلادة والتعفن دكاً، ويسمح للعقل أن تكون له حريته في البحث عن الحقيقة بلغة المنطق وسلامة الذوق وترقية الإحساس بالقيم النبيلة مجتمعة، بمقدار ما يعطي للتفكير مكانته وأولويته في أن يكون فريضة إسلاميّة – على حد تخريج المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد – تتقدّم حيث يتقدّم إيمان الإنسان بالإسلام.

أقول؛ لك إنْ شئت أن تراجع المرجعيّة الأيديولوجية لأخطر تنظيم إرهابي في العالم ممثلاً في “القاعدة”، أو “داعش”، لتجدها بعد المراجعة تنبثق عن توجهات جهادية سلفية، وتستند إلى كتابات سوداء لاقت رواجاً وانتشاراً واسعاً بعد أن صادفت تدعيماً من أناس (منظمات ودول) كما هو الحال الآن في تركيا وقطر، ملكوا الثروات الطائلة بعد أن فقدوا عقولهم أو عطلوها، وتحدثوا بلغة العنف والتعصب والكراهية لأنفسهم قبل أن تكون للآخرين. صحيح أن الدوافع والمنطلقات والتوجهات في كل عملية إرهابية يقوم بها تنظيم القاعدة، أو فروعه وملحقاته إنما هى دوافع وتبريرات مختلفة من دولة إلى دولة، لكن الغطاء الفكري والمرجعية الأيديولوجية إنما هو أمرُ يرتد إلى مصدر واحد؛ معروف ومدروس.

فقد استولت على الشيخ “أسامة بن لادن” توجهات جهادية كانت تكرع من معين هذا الفكر السلفي الأسود، سواء كان يرتد إلى الجماعات الإسلامية في مصر، أو إلى التنظيم الجهادي الذي عُرف بالجبهة الإسلامية لجهاد اليهود والصليبيين، والذي أسسه أسامة بن لادن عام 1998م، بعد تحوِّل علاقته من كونه عميلاً للمخابرات المركزية الأمريكية إلى عدو للولايات المتحدة الأمريكية. ثمَّ إن هذا التنظيم الجهادي كان تطور بتطور العلاقات الشخصية بأيمن الظواهري، وبالعناصر الجهادية المصرية التي ارتبطت مع بن لادن بعري وثيقة مع مطلع الحرب في أفغانستان.

ولم يكن بالبعيد أن تكون حوادث طابا ومذبحة شرم الشيخ والروضة، وشيوع عقيدة القتل لجنود الجيش المصري في سيناء، وبقايا المنظمات الإرهابية من دواعش وغيرها أثراً من آثار الخلايا الإرهابية الفرعيّة لتنظيم القاعدة المستقرة في ولاية سيناء.

فالغطاء الفكري لهذه التنظيمات يرتد إلى جذور لكتابات، كانت ولازالت؛ ظلاميّة تعادي التنوير وتقف حائلاً منيعاً دون أن تعطي العقل حريته في الفهم والبحث والتنقيب عن الحقائق المطلقة بمعزل عن العنف الأهوج والتعصب المرذول. ومن أهمها كتابات أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (ت597 هـ) صاحب “تلبيس إبليس”، ذلك الذي لم يدع أحداً ذا فكرة مستنيرة أو رأي رشيد من خلق الله إلا وقام إبليس في رأيه بغوايته الخبيثة بتلبيسه ولم يستثنِ أحداً قط غير ابن الجوزي نفسه.

ثم تجد كتابات بعض الفقهاء، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، وفتاويهم من بعد ذلك، تنعكس بالسلب على الأذهان المنغلقة فيفهمونها فهماً ظاهرياً وكفى، هؤلاء المترسمون بالعلوم لا يعرفون طريقاً للنور، وإنهم ليعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ويدعون إلى دين الله على “غلبة ظن” لا على “بصيرة”. وما أَبَعَدُ الفرق في ميزان المعرفة بين هاتين الدرجتين، ثم ماذا؟ ثم أنهم ليأخذون أقوال الآخرين، وأفكارهم ممّن يخالفونهم وجهة النظر، مأخذ التحوير والتضليل لسوء الفهم أو سوء التأويل، لتجيء – من بعدُ – حاملة لألوان العداء والانغلاق، مسبِّبة للكراهية والنفور وجمود الفكر وتطرف الآراء !

من هذا النوع كانت كتابات ابن تيمية وبعض كتابات تلميذه ابن قيم الجوزيّة، أقول بعضها لا كلها وأنا أعني ما أقول، وأقصد ببعضها تلك التي تابع فيها أستاذه متابعة التقليد الأعمى، ثم هناك الكثير من الآراء المتطرفة صدرت من فقهاء الهدم ووجدت لها مع شديد الأسف أنصاراً وأعواناً حتى صارت مع الترديد لها والانتصار لأصحابها دستوراً لبعض البلاد، يحذون حذوها، ويطبقون تعاليمها بحذافيرها، وكأنها القرآن المنزَّل، رغم أنها عمل بشري ولا يزيد!

واستمرت هذه الأفكار السوداء تنتقل من سلف إلى خلف، ومن كاتب إلى كاتب، وهى في كل نقلة تجد رواجها وانتشارها بوسائل غير وسائل العلم الهادف والمقصد المجرَّد النزيه؛ فكانت إذْ ذاك تعمل عملها في الرؤوس المطموسة حتى نضجت في أدمغة حديثة ومعاصرة ظهرت بصورة منفرّة أشد إيغالاً في التطرف والانغلاق ومعاداة الآخر : في كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وبخاصة فيما كتبه هذا الأخير متصلاً بمفاهيم كالحاكمية، والجماعة المسلمة في مقابل الجاهلية السائدة في أنظمة الحكم والسياسة، مقدار سيادة هذه الجاهلية وتحكمها في التصورات والانطباعات، وفي الرؤى والاتجاهات، وفي مؤسسات المجتمع، وفي علاقات الأفراد بعضهم ببعض … إلى آخر ما كتبه “سيد قطب” وأطال فيه الوصف والتصنيف.

بقلم : د. مجدي إبراهيم

Author : اهرام مصر

اهرام مصر

RELATED POSTS

Leave A Reply

www.000webhost.com